10 شروط لعودة الإقراض في سوريا: كيف تعطلت المصارف؟ -- Oct 08 , 2026 53
لم تستأنف المصارف السورية خدماتها بعد، فلا قروض ولا تسهيلات طال انتظارها، على الرغم من سلسلة "التبشيرات" التي تتوالى بشأن عودة القطاع المصرفي إلى العمل. فهذا القطاع كان من أكثر القطاعات تضرراً منذ بداية الأزمة، ولا يزال تعافيه متأخراً، وهذا ما يعكس خللاً تترتب عليه سلسلة من التداعيات السلبية، سواء على مستوى الأفراد والأسر، أو على الصعيد التنموي العام وانعكاساته الاقتصادية والاجتماعية. فالسيولة النقدية وقود التنمية، والمصارف محركات دافعة، وعندما تتعطل فهذا يعني أن التنمية تعطلت.
فلماذا ما زالت المصارف السورية خارج مضمار الحراك الاقتصادي؟ وكيف يمكن تجاوز هذا الخلل في بلد وصلت معدلات البطالة والفقر فيه إلى ما يفوق 90%، ويبدو بأمسّ الحاجة لإقلاع عجلة الاستثمار والتشغيل وإنتاج فرص العمل؟
حلقات مكسورة
لا يرى الخبير والمحلل الاقتصادي والمالي الدكتور محمود عبد الكريم أن المصارف السورية تأخرت في الإقراض لأنها ترفضه، بل لأن ثمة ثلاث حلقات مكسورة تعمل في وقت واحد: ودائع تفتقد الثقة، ورأس مال صغير جداً قياساً بحجم الاقتصاد، ومقترض يصعب قياس قدرته على السداد.
ويوضح في حديثه إلى "المدن" أن الرقم الذي يلخص المشكلة هو نسبة الائتمان إلى الناتج المحلي، أي حجم القروض المصرفية مقارنة بحجم الاقتصاد. فقبل العام 2011 كانت القروض تتجاوز 23% من الناتج، واليوم لا تزيد إلا قليلاً على 4%، أي أن عمق الائتمان انكمش إلى نحو سدس ما كان عليه، وأن المصارف لا تموّل من كل مئة ليرة ينتجها الاقتصاد إلا أربع ليرات تقريباً.
وهنا يجب التمييز بين الإصلاح المصرفي والإقراض الفعلي. فقد عادت سوريا إلى نظام سويفت، وأعيد فتح حساب المصرف المركزي لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك وبنك فرنسا، وأُلغي تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب في 24 آب 2026، وأُطلق مشروع بمئة مليون دولار لتحديث البنية المالية ومراجعة جودة أصول المصارف كلها. هذه شروط مسبقة للإقراض وليست إقراضاً.
أما التسهيلات الائتمانية فأوسع من القرض التقليدي، إذ تشمل السحب على المكشوف وتمويل رأس المال العامل والاعتمادات المستندية والكفالات وتمويل التجارة. والسؤال الحاسم الذي يطلقه د. عبد الكريم هو: هل وصل أي منها إلى مصنع يحتاج آلة، أو مزارع يحتاج تمويلاً؟
فنجاح الإصلاح المصرفي لا يقاس فقط بعدد القرارات أو الخدمات الإلكترونية، وإنما بقدرة النظام المالي على تحويل الودائع إلى تمويل منتج يمكن للاقتصاد تحمله.
ارتباك مزمن ومريب
أما الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، فيعود في حديثه مع "المدن" إلى ملامح قديمة مرتبكة للمشهد المصرفي في سوريا، ويشير إلى أن المصارف السورية لم تلعب دوراً فعالاً في تمويل الاستثمار، في ظل عدم وجود دور حقيقي للسياسات النقدية من قبل مصرف سوريا المركزي. وبعد هذه العقود من الزمن وتراكم الأزمات، تسارعت ظاهرة هروب السيولة ورؤوس الأموال من المصارف إلى الخارج أو تخزينها في المنازل، ما جعل دور الجهاز المصرفي اليوم يواجه صعوبة كبيرة وتحديات.
ورغم كثرة الأحاديث والبيانات الرسمية عن إنجازات وتسهيلات جديدة، إلا أن الواقع يشير إلى تأخرٍ ملموس في إنجاز هذه "القروض والتسهيلات المصرفية" على أرض الواقع، ما يترك أثراً تنموياً سلبياً على كافة مفاصل الاقتصاد الوطني.
فتأخر منح القروض يحرم القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية من التمويل الشديد الأهمية، ما يؤدي إلى تراجع الطاقة الإنتاجية للمشاريع وتوقف توسعها. وعدم وجود تدفق ائتماني يولد انطباعاً جارفاً بعدم الجدوى من الإيداع، ما يعزز المكتنزات المنزلية ويغذي قطاعات الاقتصاد غير الرسمي على حساب الاقتصاد الوطني.
وعندما تتوقف التسهيلات الموجهة للأنشطة الإنتاجية، يقل المعروض السلعي في الأسواق وتتراجع فرص العمل المتاحة، ما يرفع معدلات التضخم نتيجة نقص الإنتاج ويعمق أزمة المعيشة.
وينبّه الدكتور قوشجي إلى أن التناقض بين الأحاديث الرسمية المشجعة والواقع التنفيذي المعقد، يعمق فجوة عدم الثقة لدى المستثمرين والمواطنين تجاه النظام المصرفي ككل.
عقدة رأس المال
في نظرة تشخيصية فنية، يجزم الخبير الاقتصادي والمالي د. محمود عبد الكريم بأن عقدة المصارف في سوريا تبدأ من رأس المال. فحقوق ملكية جميع المصارف الخاصة مجتمعة بلغت نهاية 2025 نحو 8.7 تريليون ليرة قديمة؛ أي قرابة 795 مليون دولار، وهو ما يعادل رأس مال مصرف واحد متوسط في الأردن أو مصر أو تونس. أما الحد الأدنى القانوني لرأس المال فبقي 10 مليارات ليرة قديمة؛ أي نحو 0.9 مليون دولار اليوم، بعدما كان يعادل 212.7 مليون دولار في العام 2010، ففقد أكثر من 99% من قيمته الحقيقية.
وقد يبدو ذلك متناقضاً مع نسب كفاية رأس المال المرتفعة. هذه النسب تتجاوز الحد الأدنى البالغ 8% بكثير، وتتخطى 100% لدى ثلاثة مصارف، لكن السبب ضآلة الإقراض لا قوة رأس المال، إذ لا تشكل التسهيلات الصافية سوى 12.3% من موجودات المصارف الخاصة.
سيولة خارج البلاد وودائع مأزومة
ويلفت د. عبد الكريم إلى أن جزءاً كبيراً من سيولة المصارف موجود خارج البلاد: فمقابل كل ليرة تقرضها المصارف الخاصة محلياً، تحتفظ بأكثر من سبع ليرات في حسابات خارجية، كما أن نحو 1.6 مليار دولار من الودائع السورية مجمدة في لبنان، وطُلب من المصارف تكوين مخصصات تغطيها بالكامل. أما المصارف العامة، التي تملك 69% من موجودات القطاع، فقد بلغت القروض المتعثرة لديها نحو 42% نهاية 2023، مقارنة بـِ 4% عام 2010.
ثم تأتي الودائع، وهي المادة الخام للإقراض. ومنذ شباط 2025 فُرضت قيود صارمة على السحب، ولم يُسمح بالسحب الحر إلا لما أودع بعد 7 أيار 2025، فنشأت سوق يبيع فيها المودعون أرصدتهم المقيدة بخصومات كبيرة. وتُصرف رواتب القطاع العام عبر تطبيق "شام كاش" خارج الجهاز المصرفي. والمصرف الذي لا يثق ببقاء ودائعه لا يمنح قرضاً لخمس سنوات، ولا تصلح الودائع كلها للإقراض أصلاً، لأن جزءاً منها يجب أن يبقى احتياطياً لمواجهة السحوبات.
في مضمار المقترض
ومن جهة المقترض في معادلة الخلل المقيم في بيئة الائتمان المصرفي، يرى د. عبد الكريم أن المسألة هي الجدارة الائتمانية، أي قدرة العميل ورغبته المتوقعة في السداد. فكثير من المشروعات الصغيرة مثلاً يفتقر إلى حسابات مدققة وسجل ائتماني وضمانات مقبولة، فيصبح الامتناع عن إقراضها سلوكاً عقلانياً للمصرف. ويضاف التضخم الذي قارب 27.5% سنوياً في نيسان 2026، في غياب أرقام تضخم رسمية منشورة منذ شباط 2025. في هذه البيئة يصعب تسعير قرض طويل الأجل، ويصعب على شركة تربح بالليرة أن تتحمل فائدة تعوّض التضخم، وتعجز أسرة محدودة الدخل عن قسط سكني، ويتعذر تقييم الضمانة العقارية مع تقلب الأسعار وتغير العملة.
ويلفت د. عبد الكريم النظر إلى عامل العزلة الخارجية الذي تراجع لكنه لم ينتهِ، فسوريا ما زالت على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي منذ 2010، والمصارف المراسلة ما زالت حذرة. والعزلة الخارجية كانت العامل الأثقل حتى 2025 وهي اليوم في تراجع. المشكلة ليست في قفل واحد، بل في سلسلة أقفال يجب فتحها معاً.
خروج من عنق الزجاجة
الآن، يبقى السؤال الذي ينتظر كل السوريين الإجابة عنه هو: كيف يمكن تجاوز ما يشبه "المحنة المصرفية" التي هي محنة مواطن واقتصاد في سوريا؟
يرى الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أنه لا بد من إصلاح النظام النقدي بشكل كامل، وفق محاور متكاملة تبدأ من سوق الأوراق المالية وتصل إلى عمق البنية المصرفية. وهنا من بالغ الأهمية تفعيل سوق دمشق للأوراق المالية، وتحويل السوق إلى منصة استثمارية جذابة تعمل على جذب واستقطاب رؤوس الأموال المهربة والمكتنزة، وتوجيهها نحو تأسيس شركات مساهمة في جميع النشاطات الاقتصادية، وإدراج الشركات المساهمة الموجودة غير المدرجة في سوق دمشق للأوراق المالية.
ويرى قوشجي ضرورة تطوير نظام عمليات مصرف سوريا المركزي، وبناء أدوات سياسة نقدية ديناميكية ومستقلة تدير السيولة وتوجه الائتمان بمرونة عالية بعيداً عن التعقيدات الإدارية، إضافة إلى إعادة رسملة الجهاز المصرفي، بتعزيز القواعد الرأسمالية للبنوك لرفع قدرتها على تحمل المخاطر ومنح القروض والتسهيلات ذات السقوف العالية لمختلف القطاعات التنموية. ويشمل ذلك أيضاً تطوير عمليات المصارف وأتمتتها بالكامل، عبر الانتقال الشامل إلى المعاملات الرقمية والربط الإلكتروني وتقنيات الأتمتة الحديثة لتسهيل وتسريع إجراءات منح التسهيلات والقروض.
أما المعالجات الناجحة من وجهة نظر د. محمود عبد الكريم، فليست بزيادة القروض، بل بزيادة القروض الجيدة. فإجبار المصارف على الإقراض قد يحوّل نقص التمويل اليوم إلى أزمة ديون متعثرة غداً. وقد جربت سوريا هذا الطريق حتى بلغ التعثر 42% في المصارف العامة. لذلك فإن الإقلاع المتوازن يعني نمواً متزامناً للودائع ورأس المال والسيولة والائتمان وإدارة المخاطر وجودة الرقابة، على أن يذهب الجزء الأكبر من التمويل إلى ما يزيد الإنتاج والوظائف والتصدير، لا إلى المضاربة أو الاستهلاك القصير الأجل.
خريطة طريق لمعاودة الإقلاع
يعيد د. عبد الكريم أن أول شروط هو استعادة الثقة والودائع، لا بإجبار الناس على الإيداع، بل بجعل المصرف أكثر أماناً وفائدة من النقد في البيت.
ويبدأ ذلك أولا بجدول زمني معلن لإلغاء قيود السحب وإنهاء التمييز بين الودائع القديمة والجديدة، لأن من يرى ماله القديم مقيداً لن يودع مالاً جديداً. ويتطلب ضمان ودائع واضح القواعد، واستمرارية فعلية للخدمة في بلد يقدَّر أن نحو 40% من فروعه المصرفية متوقفة، وإدخال المحافظ الإلكترونية تحت الرقابة المصرفية بدل أن تبقى قناة موازية.
الشرط الثاني: إعادة رسملة المصارف، ولكن بعد التشخيص لا قبله.
الشرط الثالث: معالجة القروض المتعثرة القديمة التي تستهلك رأس المال وتقيد الإقراض الجديد.
الشرط الرابع: بنية معلومات ائتمانية حقيقية.
الشرط الخامس: إصلاح نظام الضمانات بحيث لا يبقى العقار الضمان الوحيد.
الشرط السادس: صناديق ضمان القروض، وهي جهات تشارك المصرف في تحمل جزء من خسارة القرض إذا تعثر العميل.
الشرط السابع: هيكل فائدة متوازن.
الشرط الثامن: نماذج تقييم خاصة بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة، تعتمد على المبيعات والتدفقات النقدية والحسابات الرقمية والفواتير السجل الضريبي بدل الضمان العقاري.
الشرط التاسع: تمويل التجارة.
الشرط العاشر: هو الحوكمة، وربما الأهم، لأن المصارف العامة تملك أكثر من ثلثي موجودات القطاع.
أياً كان مستقبل المصارف العامة، سواء تحويلها إلى شركات مساهمة أو خصخصتها أو الشراكة مع مؤسسات عربية ودولية، فلن تؤدي وظيفتها التنموية ما لم تستند قراراتها إلى تقييم مهني للمخاطر. ويكتمل ذلك بإصدار قانون جديد للمصرف المركزي وقانون جديد للمصارف.
هذه المحاور حلقات متصلة لا خيارات منفصلة. ومن خلال ما أورده الخبيران، فإن حل مشكلة القطاع المصرفي في سوريا تتطلب إجراءات جراحية ودواء فعالاً ـ قد يكون مرّاً ـ للتعافي ومعاودة إطلاق القروض والتسهيلات، وتحقيق مساهمات تنموية حقيقية أكثر من مجرد عروض كرنفالية.
ناظم عيد - المدن